مقتطف من كلمة معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرئيس المنتدب لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، الأستاذ أحمد التوفيق، بمناسبة انطلاق مشروع تسديد التبليغ
وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمملكة المغربية، الرئيس المنتدب لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة
بسم الله الرحمن الرحيم
لقد والت المؤسسة العلمية اجتهادها لتأطير الناس بالإرشاد والتعليم والفتوى فيما يهم دين الأمة الشامل لكل جوانب حياتها، وذلك على الخصوص عبر خطبة الجمعة التي كان المجلس العلمي الأعلى قد وجه فيها ترشيدًا للخطباء بقصد مراعاة السنة واتباع أسلوب النجاعة؛ ولكن المؤسسة العلمية ظلت مشغولة بالملاءمة بين توجيهات الدين حسب مراد الله تعالى من الخلق، وبين الأحوال المشهودة في السلوك سيما وأن هذه الملاءمة تهم الأخلاق التي هي الشغل الشاغل للناس في هذا العصر، من مختلف المنطلقات السياسية والاجتماعية والفكرية.
لقد جدت في هذا العصر أمور لا يمكن للعلماء، وهم يتصدون لتبليغ الدين، أن يتجاهلوها وهي حرية بأن تقض مضجعهم. ومنها:
- أولا: أن أحوال المجتمع في هذا العصر صارت مرصودة محسوبة بالإحصاء، ولا سيما فيما يتعلق بأنواع الخوف والفقر والمرض والإجرام والشقاء العائلي والوقوع ضحية أنواع من الإدمان.
- ثانيا: أن لهذه الآفات علاقة بالسلوك المتوقع إصلاحه بتوجيه الدين، أي بتدخل المبلغين.
- ثالثا: أن الناس أصبحوا يستعملون هذه المؤشرات الإحصائية للمقارنة بين البلدان وربما وضعوا بلاد المسلمين في الدركات السفلى من هذه المقارنة.
- رابعا: أن المجتمع في هذا العصر مختبر للإصلاح من الفاعلين السياسيين والجمعويين والأمميين وأصناف من المؤثرين في توجيه الناس من منطلقات من غير توجيه الدين.
في هذا السياق، فالعلماء يجدون أنفسهم موضوعيًا أمام عدد لا يحصى من الأطراف التي يحق لها أن تواجههم بهذا السؤال: ما هو دوركم في إصلاح المجتمع، والمجتمع يعاني مشاكل الأخلاق والفتنة، وأنتم فوق منابر التوجيه منشغلون في جزئيات على هامش سياسة الجدوى، مفتونون بالجاهلين والمبطلين والغالين الذين يرون أن العلاج يكون بالاستيلاء على الحكم الذي يتيح وحده في نظرهم إصلاح الأخلاق بالإكراه لا بالإقناع والتأهيل للاتباع.
إن هذا السؤال الذي لا مفر منه، كان حريًا بأن يستحث العلماء في المملكة المغربية لإعادة النظر في أسلوبهم في التبليغ. وحيث إن مرجع العلماء في التبين هو الأصلان: كتاب الله وسنة رسوله، فقد توقفوا عند أمانتهم التي هي التبليغ وراثة عن النبوة، وتوقفوا عند مقصد حياة المؤمن وهو الحياة الطيبة، وقد هداهم هذا الاجتهاد، وهم يعتبرون حاجة الناس إلى اغتنام خير الدين، هداهم إلى التخطيط في السنتين الأخيرتين لهذه المبادرة التي أطلقوا عليها “تسديد التبليغ”.
والعلماء يعتبرون هذا اليوم يومًا مباركًا، وهم يعلنون عن هذه المبادرة، وكلهم عزم وإصرار على شرحها للناس وتنزيلها في الميدان بأسلوب يستوحي من السنة الشريفة، ويسعى إلى مراعاة أحوال المبلغ لهم، في بيئاتهم المكانية والزمانية والاجتماعية.
أيها السادة، أيتها السيدات
في الحديث الذي رواه سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “فو الله لأن يهدي الله بك رجلًا خير لك من أن يكون لك حمر النعم”. والظاهر أن معنى أن يهتدي بك هو أن ترشده كيف يهتدي. والسؤال هو: كيف تفعل ذلك؟ تفعله بتبليغك، ومثالك، وإقناعك، وحرصك.
من سمع بخطة العلماء لتسديد التبليغ وقرأ هذا الحديث الشريف، يمكن أن يتخيل أن أدنى ما يستطيعه العلماء – يضاف إليهم المرشدون والمرشدات والخطباء والأئمة والوعاظ وسائر القيمين الدينيين أن يتناول كل شخص منهم رجلًا بالتذكير والدعوة إلى الهداية، يعلمه ويرشده ويعتني به لمدة معينة حسب التوجهات الواردة في مضمون تسديد التبليغ كما يقترحه العلماء. ولو قدر الله أن وقع ذلك واهتدى على يد كل واحد من هؤلاء رجل واحد كل ستة أشهر أو كل عام مثلا، لتحصل من ذلك خير كثير؛ لأن المعنى المطلوب بحال التغيير وهو يقظة النفس حتى تغدو نفسا لوامة، هذا المعنى سيجد طريقه إلى عشرات الآلاف في كل عام، ولأن كل من ذاق حلاوة تلك الهداية سيسعده ولا شك أن يذيق منها غيره.
والمقصود هو أن يحضر هذا الذكر الغائب حضور الالتزام مع الله من خلال الإيمان بوجوده وبوحدانيته، حضورًا ينتفي به الشح عن النفس ويحل العطاء حتى يتحقق الفلاح. وأن يستحضر الناس أن الفلاح الذي هو مطمح الجميع قد جعل الله له محجة مبينة هي اتقاء شح النفس بالإحسان إليها وإلى الغير….
الواقع هو أن هم حضور هذه الروح روح التقوى من الشح وغيره، إذا جدد العلماء ومن في حكمهم، إطلاقه؛ ينبغي أن يصبح هم الأمة جمعاء، فهو في صميم شروط الدعوة حسب ما هو واضح في قوله عليه الصلاة والسلام: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”.
وهكذا فلا أمة قائمة على الإيمان إذا غاب هذا الهم عند المبلغ، ونحن نرى أن هم الإصلاح قائم اليوم من عدة مداخل سياسية ومجتمعية مدنية بقطع النظر عن المردود وعن الكلفة. ومن هذا المنظور، فلا عذر لمن يتصدى للإصلاح وللتخليق باسم السياسة، أو إصلاح المجتمع في أن لا يبارك خطة العلماء ويسهم فيها إذا ظهرت نجاعتها، وبالأحرى أن ينضم إليها وينخرط فيها كل من له غيرة على الدين من موقع من المواقع. أما بالنسبة للأمة ككل، فالذي ينبغي انطلاقا من هذا المشروع، هو أن يكون إصلاح التدين هما مستحقًا في الجماعة، وما أوصى الدين بالجماعة إلا لحفظ الدين.
وهكذا ينبغي أن ينظر إلى مشروع العلماء في تسديد التبليغ على أنه مشروع للتعاون على البر والتقوى. فأي بر وأي تقوى أولى وأعظم من هداية الناس؟ فالجماعة المؤمنة كيان عضوي يصفه الحديث الشهير الذي رواه النعمان بن بشير، وفيه: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.
فالمسلم المؤمن من حيث هو ومنذ بداية هذا الدين فاعل عضوي، والمفروض في كل جماعة أنها جماعة عضوية، وصفة العضوية هنا مقابلة لصفة الأنانية التي وصفها القرآن بالشح…. والجماعة بوصفها العضوي هي وحدها القادرة على حفظ الدين وإصلاح التدين. وتتجلى صفتها العضوية في هم ينبغي أن ينطلق من المساجد التي يأتي إليها الناس للصلاة جماعة؛ ولذلك يتعين على العلماء أن يجددوا شرح معنى الجماعة حسب الحديث المذكور، أي بإضافتها إلى الهم الجماعي، وأنها ليست مجسدة في مجرد من يحضرون الصلاة وهم متناكرون لا يتعارفون ويتزاحمون في الخروج من المسجد على أن المقصود ليس هو خلق جماعة بأشخاص محددين داخل المساجد؛ لأن ذلك إن تساهل فيه الإمام، يوشك أن يكون فرصة لمترصد الاستقطاب السياسي أو الانحراف العقدي والمذهبي، أو الطموح الزعامي الموطن عند بعض مرضى القلوب؛ وإنما المطلوب هو تذكير كل من يتردد على المسجد بحظوظه في رحمة الله ووعده بالتمكين فيها، وبأن يكون من هذه الجماعة بشرط واحد هو التحاب في الله، والتعاون على البر والتقوى، ومقصده تغيير ذاتي يتحقق بالاكتساب الواسع لمقومات الحياة الطيبة في محيط المسجد.
وهكذا، فأول الآثار المرجوة لخطة تسديد التبليغ هو انبعاث الهم الجماعي لإصلاح التدين ميدانيًا في كل مكان، وذلك بإحياء التزكية وتحقيق الفلاح المرهون بوقاية الأنفس من الشح. وحيث إن مبلغي هذا الوقت كسابقيهم ورثة الرسول عليه الصلاة والسلام فواجبهم هو السير على نهجه. ومن ثم، فالهم الذي هم مطالبون به مصداقا لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
فهم التبليغ اليوم، هو قبل كل شيء هم مؤسسة، ثم هو هم من تنتدبهم المؤسسة للدعوة فرادى وجماعات. وهذا يقتضي، كما قلنا، إيقاظ روح الإيمان في الجماعة وإشراكها فيه كما لو كان رأس مال نفيس ولتبدأ هذه الجماعة الفاهمة المهمومة ولو بشخصين أو ثلاثة أشخاص في كل مسجد، فالخير يكون طلا ثم ينهمر.
ومن عناصر مهمات التبليغ، أن يفهم الناس وجوه ارتباط مصالحهم الدنيوية بأوامر الدين ونواهيه، مصداقا لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: 7].
فكيف يمكن للمبلغ النموذجي المهتدي في نفسه أن يبدأ عمليا وميدانيا في هداية الناس؟ يمكنه ذلك بفتح أعين الناس على حقائق أربعة ترتبط بواقعهم، وهي:
- أولا: أن أحوال المسلمين في التدين اليوم بعيدة عن المطلوب في اتباع أحكام الدين وفضائله.
- ثانيا: أن هذا الابتعاد هو سبب شقاء الناس في حياتهم، إذا كانوا يؤمنون بأن الله تعالى وعد بالحياة الطيبة بشرطي الإيمان والعمل الصالح.
- ثالثا: أن شرط صحة العبادات مرهون بثمراتها في أخلاق المتعبد، قياسا على قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَر﴾ [العنكبوت: 45].
- رابعا: أن علاج هذه الحال وتضييق الشقة بين الدين والتدين يكون بإيقاظ النفس من سباتها، لكي تصبح كما سماها القرآن نفسًا لوامة، وهي في لغة اليوم تسمى الضمير، أي نفسًا تحاسب صاحبها كل وقت.
لا سيما في خمسة أمور تتعلق بالأركان، وهي:
- أولا: استحضار حقيقة التوحيد وأنه التحرر من عبادة الهوى، وتقوية هذا التحرر بذكر الله ذكرًا كثيرًا وشكره بكرة وأصيلا، وأول ما يقتضي هذا الاستحضار الامتناع عن جميع أنواع الكذب على الله أو على النفس أو على الغير.
- ثانيا: إقامة الصلاة في وقتها.
- ثالثا: الحرص التام على إيتاء الزكاة على جميع أنواع الأموال وإعطائها لمستحقيها…
- رابعا: الحرص على صيام رمضان بآدابه، لأن العوائد قد أفسدت هذا الصيام وربما انقلب إلى ضده.
- خامسا: الحرص على الحج بشروطه، ونعرف كيف أصبح الحج وما يضر به ونحن في موسم الحج.
ثم بعد هذه الأمور الخمسة المتعلقة بالأركان، فالتبليغ يقتضي تربية النفس على المحاسبة في جوانب السلوك….


