مجلة العلماء الأفارقة

مجلة العلماء الأفارقة مجلة علمية نصف سنوية محكمة تعنى بالدراسات الإسلامية والثوابت المشتركة بين البلدان الإفريقية تصدرها مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة. تنشر فيها مقالات علمية تخدم أهداف المؤسسة المنصوص عليها في الظهير الشريف الصادر بشأنها

جهود العلماء الأفارقة في خدمة الثوابت الدينية المشتركة

Slider

ضوابط التصوف السني

الشيخ محمد سعيد محمدي
عضو فرع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة بموريتانيا

ضوابط التصوف السني

توطئة

لم يَتسمَّ المسلمون الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير اسم الصحابة؛ إذ كانت مرتبة صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسنى المراتب؛ فلا فضيلة فوقها، ولما أدركهم أهل العصر الثاني سمي من لقي الصحابة وأخذ عنهم بالتابعين، إذ رأوا ذلك أشرف السمات، ثم قيل لمن بعدهم: أتباع التابعين.[1]

فلما ذهب المشاهدون لأنوار النبوءة والمشاهدون لمن شاهده، كرت الدنيا على الناس بزخارفها، وأجلب الشيطان عليهم بخيله ورجله، فداخلت قلوبهم الشهواتُ والغفلاتُ، وكثرت الهفوات والرعونات، فانفرد أقوام أحيى الله قلوبهم بنور الإيمان، وعصمهم من الدنيا والشيطان بالدؤوب على سَنَن النبي صلى الله عليه وسلم وسَنَن أصحابه، والمحافظة على التقوى، ومداومة الرعوى، وترك الدعوى، والإعراض عن الدنيا، وطلب رضا المولى، وهم الصوفية. [2]

واشتهر هذا الاسم لهؤلاء الأكابر، قبل المائتين من الهجرة.

ثم هل لهذا المفهوم ضوابط يميز بها بين مَنْ هو من أهله، ومن ليس له منه إلا مجرد الدعوى؟

هذا ما سنتناوله في هذا المقال، وعلى الله الاعتماد والاتكال.

مدلول ضوابط التصوف السني

يتألف هذا الموضوع من أجزاء ثلاثة: الضوابط، والتصوف، والسني؛ وتصوره مركبا، يتوقف على تصور أجزائه. فقد قال الإمام الرازي في المحصول: «إن المركب لا يمكن أن يعلم إلا بعد العلم بمفرداته، لا من كل وجه، بل من الوجه الذي لأجله يصح أن يقع التركيب فيه»[3].

فأما الضابط: فهو من ضبط بمعنى حفظ، وهو في الاصطلاح عبارة عن كلي ينطبق على جميع جزئيات موضوعه، نحو «كل أمر فهو للوجوب». وسمي الكليُّ المذكور ضابطا لحفظه جميع الأحكام.

وترادفه القاعدة والأصل والقانون والحرف، كما لابن الهمام في تحريره.

وقال السبكي في الأشباه والنظائر: «والغالب فيما اختص بباب وقُصد به نظم صور متشابهة، أن يسمى ضابطا»[4].

وعليه، فضابط التصوف السني هو قاعدته التي يُرجع إليها في تمييز أفراده عن أفراد غيره.

وأما التصوف، فسيأتي الكلام عليه بالتفصيل.

وأما السني، فهو نسبة إلى السنة، وهي في اللغة: الطريقة. قال تعالى: {سُنَّةَ مَن قَدْ أرَسْلْنَا قَبْلَكَ مِن رسُّلِنَا} سورة الإسراء/ الآية (77)، أي طريقتهم. وقال أبو ذؤيب:

فلا تجزعنْ من سنة أنت سرتها   فأول راض سنة من يسيرها

وأصل هذه التسمية من قولهم: سننت الماء، بمعنى مهدت صوبه للجري؛ وسنة الشرع طريقته التي مهدها لاستقامة الجاري عليها. ومقتضى هذا تسمية النفل والفرض سنة، لأن الفرض طريقة صاحب الشرع أيضا.[5]

وسنة الشرع وطريقته، هي التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:

(تَركتُكُم على بَيضاءَ نقية، ليلُها كنهارِها، لا يَزِيغُ عنها إلا هالكٌ). رواه أحمد وابن ماجه.

وفي الحديث الآخر: (فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة). رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

قال ابن دقيق العيد في شرح الأربعين النووية: «اعلم أن الْمُحْدَثَ على قسمين: محدث ليس له أصل في الشريعة، فهذا باطل مذموم. ومحدث بحمل النظير على النظير، فهذا ليس بمذموم؛ لأن لفظ (المحدث) ولفظ (البدعة) لا يذمان لمجرد الاسم، بل لمعنى المخالفة للسنة والداعي إلى الضلالة، ولا يذم ذلك مطلقا، فقد قال الله تعالى: {مَا يَأتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ ربِّهِمْ مُحْدَثٍ} سورة الأنبياء، الآية (2).

وقال عمر رضي الله عنه: «نعمت البدعة هذه»، يعني التراويح.

وإذا تقرر هذا، تبين أن موضوع كلامنا هو «ضوابط التصوف السني الجاري على قواعد الشرع». ويستدعي ذلك بيان حقيقة التصوف، ثم بيان مستنده من أدلة الشرع، ثم الحكم بالموافقة أو بالمخالفة.

حقيقة التصوف

قال الإمام القشيري في رسالته: «ليس يشهد لهذا الاسم من حيث اللغة العربية قياس ولا اشتقاق، والأظهر فيه أنه كاللقب.

وقد قيل: إنه من الصوف، وتَصوَّف إذا لبس الصوف، كما يقال: تَقمَّص إذا لبس القميص. لكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف.

وقيل: إنهم منسوبون إلى صُفَّة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن النسبة إلى الصفة لا تجيء على نحو الصوفي.

وقيل: إنه من الصفاء، لكن اشتقاق الصوفي من الصفاء بعيد في مقتضى اللغة.

وأما من قال: إنه مشتق من الصف، فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم من حيث الحضور مع الله تعالى، فهو صحيح معنى، ولكن اللغة لا تقتضي هذه النسبة إلى الصف»[6].

ووجه مناسبة هذه التسميات، أن من قال: إنه من الصفاء، قال: سميت الصوفية بذلك لصفاء أسرارها ونقاء آثارها، أو لصفاء القلب مع الله.

أو لأنهم في الصف الأول بين يدي الله عز وجل بارتفاع هممهم إليه، وإقبالهم بقلوبهم عليه، ووقوفهم بسرائرهم بين يديه.

أو لقرب أوصافهم من أوصاف أهل الصفة، الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. أو للبسهم الصوف.

ثم إن هذه الطائفة أشهر من أن يحتاج في تعيينهم إلى قياس لفظ واستحقاق اشتقاق، وقد تكلم الناس في التصوف ما معناه؟ وفي الصوفي من هو؟ وكل عبر بما وقع له[7].

فقد سئل أبو محمد الجريري عن التصوف، فقال: الدخول في كل خلق سَنِيٍّ، والخروج من كل خلق دني.

وقال معروف الكرخي: التصوف الأخذ بالحقائق، واليأس مما في أيدي الخلائق[8].

وقد سئل الإمام أبو سهل محمد بن سليمان: ما التصوف؟ فقال: «الإعراض عن الاعتراض»[9].

وعباراتهم في هذا كثيرة مختلفة، لكنها تشير إلى معنى جامع لخصه الإمام زروق رحمه الله تعالى في كتابه: (عدة المريد الصادق)، بقوله: «حقيقة التصوف ترجع لصدق التوجه إلى الله تعالى من حيث يرضى بما يرضى، وذلك متعدد، فلذلك ادعاه كل أحد بما هو فيه، وعبر عنه كل أحد بما انتهى إليه منه على قدر القصد والفيض والهمة، واعتبر ذلك أئمته، حتى إن أبا نعيم في حليته غالبا لا يترجم رجلا إلا أتبع ذلك بقول من أقوالهم يناسب حال ذلك الشخص، قائلا: وقيل: إن التصوف كذا، فأشعر أن تصوف كل أحد صدق توجهه، وأن من له قسط من صدق التوجه له قسط من التصوف على قدر حاله»[10].

وقد قيل في تعريف (التصوف): إنه «علم يعرف به كيفية تصفية الباطن من كدورات النفس، أي عيوبها وصفاتها المذمومة، كالغل والحقد والحسد والغش وطلب العلو وحب الثناء والكبر والرياء والغضب والأنفة والطمع والبخل وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء»[11].

وقال الإمام اليوسي في (القانون): «علم التصوف: فقه أيضا، غير أن الفقيه اهتمامه بالأحكام الشرعية الظاهرة، والصوفي اهتمامه بالأحكام الشرعية الظاهرة والباطنة، من حيث طلب الكمال وإقامة العبودية لحق الربوبية»[12].

أصول التصوف

معنى نسبة التصوف للسنة، أن يكون له ارتباط بها، وجري على ضوابطها. وقد بين ذلك الارتباط العلامة سيدي محمد الكنتي في كتابه: (جنة المريد دون المريد)، بقوله: «اعلم أن أصل هذه الطريقة ومبناها إنما هو سيرته صلى الله عليه وسلم، من أقواله وأحواله وتقريراته المفسرة لنص الكتاب الذي جاء به من ربه، ثم مضى عليه عمل الصحابة من بعده، ثم ما انعقد عليه إجماع سلف أمته من بعدهم»[13].

وقال بعد هذا أيضا: «أهل الصوفية يتوقفون عند كل قول أو فعل، حتى يعرضوه على كفة ميزان الكتاب والسنة؛ لأنه من جملة الشريعة»[14].

وقال الشيخ زروق رضي الله عنه في (شرح الحكم العطائية): «نسبة التصوف من الدين، نسبة الروح من الجسد؛ لأنه مقام الإحسان الذي فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل، بقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه..) الحديث؛ إذ لا معنى له سوى ذلك؛ إذ مداره على مراقبة بعد مشاهدة، أو مشاهدة بعد مراقبة، وإلا لم يقم له وجود ولم يظهر له موجود»[15].

وقال ابن دقيق العيد في (شرح الأربعين النووية): «وقوله في الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه) إلخ، حاصله راجع إلى إتقان العبادات، ومراعاة حقوق الله ومراقبته، واستحضار عظمته وجلالته حال العبادات»[16].

وقال عياض في (إكمال المعلم بفوائد مسلم): «وقوله: (ما الإحسان؟)، فسَّره في الحديث بما معناه الإخلاص، ومراقبة الله في السر والإعلان»[17].

وقال ابن الملقن في (التوضيح): «والإحسان في هذا الحديث يرجع إلى إتقان العبادات، ومراعاة حق الله ومراقبته. فمعنى: (أن تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)، أن تعبد عبادة من يرى الله تعالى ويراه الله تعالى، فإنك لا تستبقي شيئًا من الخضوع والخشوع والإخلاص وحِفْظِ القلب والجوارح، ومراعاةِ الآداب الظاهرة والباطنة، ما دمت في عبادته، وإن عرض عارض فنادر.

وحاصله الحث على كمال الإخلاص في العبادة، ومراقبة الله تعالى في جميع أنواعها، مع قيام الخشوع والخضوع والحضور.

فحال من غلب عليه مشاهدة الحق، كأنه يراه. ولعل هذِه الحالة هي المشار إليها بقوله صلى الله عليه وسلم: (وجعلت قرة عيني في الصلاة).

والثاني: حال من يغلب عليه اطلاع الحق عليه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {الذِّي يَرَاكَ حِينَ تَقوُمُ} سورة الشعراء، الآية (218).

وفي (فتح الباري) لابن رجب: «وأما الإحسان: ففسره بنفوذ البصائر في الملكوت، حتى يصير الخبر للبصيرة كالعيان، فهذه أعلى درجات الإيمان ومراتبه. ويتفاوت المؤمنون والمحسنون في تحقيق هذا المقام تفاوتا كثيرا، بحسب تفاوتهم في قوة الإيمان والإحسان. وقد أشار النبي صلَّى اللهُ عليه وَسلَّم إلى ذلك هاهنا، بقوله:

(أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك). قيل: المراد: أن نهاية مقام الإحسان: أن يعبد المؤمن ربه كأنه يراه بقلبه، فيكون مستحضرا ببصيرته وفكرته لهذا المقام، فإن عجز عنه وشق عليه انتقل إلى مقام آخر، وهو أن يعبد الله على أن الله يراه ويطلع على سره وعلانيته، ولا يخفى عليه شيء من أمره.

وقد وصى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم طائفة من أصحابه أن يعبدوا الله كأنهم يرونه، منهم: ابن عمر، وأبو ذر؛ ووصى معاذا أن يستحيي من الله كما يستحيي من رجل ذي هيبة من أهله. قال بعض السلف: من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص. فهذان مقامان:

أحدهما: مقام المراقبة، وهو أن يستحضر العبد قرب الله منه واطلاعه عليه، فيتخايل أنه لا يزال بين يدي الله فيراقبه في حركاته وسكناته وسره وعلانيته، فهذا مقام المراقبين المخلصين، وهو أدنى مقام الإحسان.

والثاني: أن يشهد العبد بقلبه ذلك شهادة، فيصير كأنه يرى الله ويشاهده، وهذا نهاية مقام الإحسان، وهو مقام العارفين.

وحديث حارثة هو من هذا المعنى؛ فإنه قال: كأني أنظر إلى عرش ربي بارزا، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاوُون فيها. فقال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: «عرفت فالزم، عبد نوَّر الله الإيمان في قلبه»[18].

وكذلـك قـول ابـن عمـر لعـروة، لمـا خطـب إليـه ابنتـه فـي الطـواف فلـم يـرد عليـه، ثـم لقيه فاعتذر إليه وقال: «كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا». وهذا ما حام حوله كبـار رجـال التصـوف، وأشـارت إليـه عباراتهـم:

  • قال بعضهم: عجبت للخليقة كيف أنست بسواك؟! بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك.
  • وقيل لآخر: أما تستوحش؟! قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني.
  • وقال الفضيل: طوبى لمن استوحش من الناس وكان الله جليسه.
  • وقال معروف لرجل: توكل على الله حتى يكون جليسك وأنيسك وموضع شكواك[19].

تمسك كبار رجال التصوف ومؤسسيه بالكتاب والسنة

روي عن السري (تـ: 253هـ) أنه قال: المتصوف اسم لثلاث معان: هو الذي لا يطفئ نورُ معرفته نورَ ورعه، ولا يتكلم بباطن في علم ينقضه عليه ظاهر الكتاب أو السنة، ولا تحمله الكرامات على هتك أستار محارم الله تعالى.[20]

وقال أبو حمزة البزار (تـ 289هـ): من علم طريق الحق سهل عليه سلوكه، ولا دليل على الطريق إلى الله تعالى إلا متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أحواله وأفعاله وأقواله.[21]

وقد سئل أبو العباس السياري (تـ 342 هـ): بماذا يروض المريد نفسه؟ فقال:

بالصبر على فعل الأوامر، واجتناب النواهي، وصحبة الصالحين، وخدمة الفقراء.[22]

فهذه بعض أقوال رجال التصوف، لا تختلف في أن الأساس الذي بني عليه التصوف هو اتباع شريعة النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال النصر أباذي: «أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، وتعظيم حرمات المشايخ، ورؤية أعذار الخلق، والمداومة على الأوراد، وترك ارتكاب الرخص والتأويلات»[23].

وقال أحمد بن أبي الحواري (تـ 230هـ): «من عمل عملا بلا اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فباطل عمله»[24].

وقد رأى هؤلاء الرجال أن أعون شيء على تحقيق ذلك هو الإعراض عن الدنيا، وخلاء البطون، وسهر العيون، فجاهدوا نفوسهم وطهروها من الشرك الظاهر والخفي؛ لتخلص أعمالهم لله تعالى.

قال إبراهيم الخواص (تـ 291 هـ): دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن الكريم بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين.[25]

وقال أحمد بن أبي الحواري: «من نظر إلى الدنيا نظرة حب وإرادة لها، أخرج الله نور اليقين والزهد من قلبه.»

ولسنا بحاجة إلى أن نورد ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من ذم الدنيا، فهو أكثر من أن يحاط به، وكفى في ذمها أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي، ودرعه مرهونة عند يهودي، بثلاثين صاعا من شعير لأهله. وهو دليل على ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من التقلل من الدنيا وإيثار الآخرة، مع أن الله تعالى خيره أن يجعل له الجبال ذهبا، فأبى ذلك؛ لعلمه بحقارة الدنيا.

خاتمة

وإذا كان حاصل الإحسان الذي هو أحد أركان الدين الثلاثة راجع إلى إتقان العبادات، ومراعاة حقوق الله ومراقبته، واستحضار عظمته وجلالته حال العبادات، كما قال العلامة المحقق ابن دقيق العيد[26]، وكان إتقان العبادة على الوجه الأكمل هو ما يتنافس فيه رجال التصوف، استلزم ذلك أن يكون الإحسان هو مقام أهل التصوف، وميدان سباقهم الذي يتنافسون فيه.

ولهذا قال الإمام الغزالي في كتابه: (المنقذ من الضلال): «إني علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلاً. فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به»[27].

وقال أبو إسحاق الشاطبي في الموافقات: «ومن ههنا يفهم شأن المنقطعين إلى الله فيما امتازوا به من نحلتهم المعروفة؛ فإن الذي يظهر لبادئ الرأي منهم أنهم التزموا أمورا لا توجد عند العامة، ولا هي مما يلزمهم شرعا؛ فيظن الظان أنهم شددوا على أنفسهم، وتكلفوا ما لم يكلفوا، ودخلوا على غير مدخل أهل الشريعة. وحاش لله! ما كانوا ليفعلوا ذلك، وقد بنوا نحلتهم على اتباع السنة، وهم باتفاق أهل السنة صفوة الله من الخليقة»[28].

ونختم بما لخص به الغزالي صفة الصوفي، فقال: «وكما أن الفقيه عبارة عن مسلم مخصوص، فالصوفي عبارة عن عدل مخصوص، لا يقتصر في دينه على القدر الذي تحصل به العدالة»[29].

الهوامش

[1] – الرسالة القشيرية، (1 /34)

[2] القانون لليوسي، ص.198، مطبعة شالة، الرباط.

[3] المحصول، للرازي، (1/ 78).

[4] الأشباه والنظائر، للسبكي، (1/ 11).

[5] إيضاح المحصول من برهان الأصول، (ص:240).

[6] الرسالة القشيرية، (ص:279). ط/ المكتبة العصرية، صيدا – بيروت.

[7] التعرف لمذهب أهل التصوف، (ص:21).

[8] الرسالة القشيرية، ص 280.

[9] الزهد الكبير، للبيهقي، (ص: 289).

[10] – عدة المريد الصادق، (ص:48). ط/ دار الكتب العلمية.

[11] – الدر الثمين والمورد المعين، (ص: 545).

[12] – القانون، (ص:198). ط/ مطبعة شالة، الرباط.

[13] – جنة المريد، (2 /317). ط/ مركز الإمام الجنيد للدراسات والبحوث الصوفية المتخصصة.

[14] جنة المريد، (2/ 317).

[15] شرح الحكم العطائية، (الشرح الخامس عشر)، (ص:19). ط/ دار ابن حزم.

[16] شرح الأربعين النووية، (ص:31).

[17] إكمال المعلم بفوائد مسلم، (1/ 204).

[18] فتح الباري لابن رجب، (1/ 211).

[19] – فتح الباري لابن رجب، (1/ 214).

[20] – الرسالة القشيرية، (ص:418).

[21] – الرسالة، (ص:395).

[22] الرسالة، (ص:419).

[23] الرسالة القشيرية، (ص:438).

[24] الرسالة القشيرية، (ص:410).

[25] الرسالة، (ص:411).

[26] شرح الأربعين النووية، (ص:31).

[27] المنقذ من الضلال، (ص:178).

[28] الموافقات، (5/ 242).

[29] إحياء علوم الدين، (2/ 251).

لائحة المصادر والمراجع

  • الرسالة القشيرية، أبو القاسم القشيري.
  • قانون العلوم، الحسن بن مسعود بن محمد بن علي اليوسي.
  • الأشباه والنظائر، تاج الدين عبد الوهاب بن تقي الدين السبكي.
  • المحصول في أصول الفقه، أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي، الملقب بفخر الدين الرازي.
  • التحرير في أصول الفقه: الجامع بين اصطلاح الحنفية والشافعية، ابن همام الدين الإسكندري.
  • إيضاح المحصول من برهان الأصول، أبو عبد الله محمد بن علي التميمي المازري.
  • شرح الأربعين النووية في الأحاديث الصحيحة النبوية، تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي، المعروف بابن دقيق العيد.
  • التعرف لمذهب أهل التصوف، أبو بكر محمد الكلاباذي.
  • الزهد الكبير، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخراساني، أبو بكر البيهقي.
  • عدة المريد الصادق، أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى الفاسي، المعروف بـزروق.
  • الدر الثمين والمورد المعين، محمد بن أحمد ميارة الفاسي.
  • جنة المريد دون المريد، سيدي محمد الكنتي.
  • شرح الحكم العطائية، أحمد بن محمد زروق الفاسي.
  • إِكمَالُ المُعْلِمِ بفَوَائِدِ مُسْلِم، القاضي عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي.
  • التوضيح لشرح الجامع الصحيح، ابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي الشافعي المصري.
  • فتح الباري شرح صحيح البخاري، زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي.
  • المنقذ من الضلال، حجة الإسلام أبو حامد الغزالي.
  • الموافقات، إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي أبو إسحاق.
  • إحياء علوم الدين، حجة الإسلام أبو حامد الغزالي.

 

تحميل المقال بصيغة PDF