مجلة العلماء الأفارقة

مجلة العلماء الأفارقة مجلة علمية نصف سنوية محكمة تعنى بالدراسات الإسلامية والثوابت المشتركة بين البلدان الإفريقية تصدرها مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة. تنشر فيها مقالات علمية تخدم أهداف المؤسسة المنصوص عليها في الظهير الشريف الصادر بشأنها

جهود العلماء الأفارقة في خدمة الثوابت الدينية المشتركة

Slider

إسهامات الشيخ غلام محمد الصوفي لخدمة الإسلام والإنسانية في جنوب أفريقيا

ذ. تولاني زيد ف. لانغا..
كاتب من جنوب إفريقيا

مقدمة

تقديرًاً لكفاح العلماء من جنوب إفريقيا في خدمة تأسيس الثوابت الدينية لابد من تقديم نبذة عن تاريخ الإسلام في جنوب إفريقيا.

هناك كتابات أكاديمية كثيرة أثبتت أن وصول الإسلام إلى جنوب إفريقيا يرجع إلى عصور المستعمرين. ومن بين تلك الكتابات كتاب ج. بدرونس[1]. ومن ناحية أخرى ووفقاً للكاتب م. ما هدا 1993:3(م) يمكن اقتفاء أثر مجيء الإسلام إلى جنوب إفريقيا حسب ما هو مدون عبر حادثتين: وصول السجناء السياسيين والعمال من أندونيسيا وماليزيا الذين جلبهم الهولنديون في سنة 1658م. إلى مدينة الكاب[2]. ولما أحضر البريطانيون العمال بعقد استخدام رسمي من الهند في سنة 1860م وذلك للعمل في مزارع قصب السكر في ناتال (منطقة شرقية في جنوب إفريقيا). كان حال الإسلام بين الكثير ممن عملوا في مزارع قصب السكر بائساً لأنهم كانوا يعيشون في أوضاع فقيرة وحوائجهم الدينية لم تجد الاهتمام المطلوب. هذا الموقف كان حافزًاً لوصول النجم الصوفي الروحي المعروف باسم الحاج غلام محمد الصوفي الصديقي التشيستي القادري حبيبي رضي الله عنه المشهور في البلاد بصوفي صاحب.

الحياة المبكرة

ولد عام 1848م.(1269ه) في مدينة إبراهيم باثان في راتناجري في الهند، وكان أكبر ولد لحضرة إبراهيم صديقي– ينتهي نسبه مباشرة إلى أبي بكر الصديق (رضي الله عنه). ينحدر من عائلة العلماء ممن كان أغلبهم قضاة، لكن وفقا لـ ي. صاحب (1993:9م) لم يكن أحد من العائلة مرتبطاً بالتصوف غيره. تولى القيام بدور الإمامة والتعليم وعمره يناهز 22 سنة بعد وفاة والده، وهو الدور الذي خدم فيه لمدة 20 سنة.

طريق التصوف

بينما هو في الطريق لأداء مناسك الحج عام 1892م التقى بكثير من العلماء من بينهم الشيخ علوي الذي كان دليل الأسرة. وقد كان للشيخ وزيارته للمدينة أثر فيه كبير مما جعله يوسع اهتمامه بالروحانيات (التصوف), وبعد عودته من الحج سعى جاهدا للبحث عن مرشد في داخل الهند لكن من غير جدوى. ثم شد رحاله إلى بغداد في العراق ولا يزال في البحث عن مرشد. هناك التقى بالشيخ غلام مصطفى أفندى (رضي الله عنه) الذي أعطاه لقب «الصوفي» بعدما قضى ثمانية أشهر في صحبة الشيخ, ثم أرشده الشيخ للذهاب إلى حيدر أباد حيث التقى بالرائد الصوفي التشيستي الشيخ حبيب علي شاه وكلاهما أنشأ رابطة وعلاقة روحية عميقة لدرجة أن شيخه بعثه إلى جنوب إفريقيا لنشر الإسلام هناك. غير أن صوفي صاحب بدأ رحلته الروحية على يدي الشيخ القادري كما هو مذكور سابقا وبعد ذلك انضم إلى الطريقة التشيستية[3]  تحت إشراف الشيخ حبيب علي شاه الذي أمره بالسفر لخدمة الدين والإسلام خاصة وسط مجتمعات الهنود الذين أتوا إلى جنوب إفريقيا بواسطة البرطانيين كعمال بعقد استخدام رسمي للعمل في مزارع قصب السكر .ظل في جنوب إفريقيا لبضعة أشهر ثم رجع إلى الهند ولما علم مرشده أنه رجع إلى الهند أمره بالعودة والإقامة في جنوب إفريقيا. استقر بعد عودته من الهند بمرافقة زوج أخته وابنه في منطقة تسمى «ريفيرسايد» حيث اشترى الأرض.

عند الوصول إلى جنوب إفريقيا أقام في منطقة تسمى رفيرسايد[4]  على الناحية الشمالية من نهر أمجيني التي لا تبعد كثيرا من المنطقة التي أقام فيها الهنود.

يذكر أ. ديزل[5]  (وتنس 2013م) أن المحامي الذي صاغ عقد بيع الأرض هو المشهور عالميا مهاتما غاندي الذي كان رفيقاً وصاحباً للشيخ. في هذا المكان أنشأ الشيخ مسجدا عام 1896م. هذا المبنى كان مسجدا ومعهدا لنشر التعليم الإسلامي لكل من الصغار والكبار من المجتمع.

التعليم الإسلامي

لما وصل صوفي صاحب إلى جنوب إفريقيا كان عدد المسلمين قليلا جدا، وكانوا أقلية داخل المجتمع الهندي المهاجر. ونظرا لفقدان الإعانة والتعليم انخرط الكثير منهم في الثقافة الهندوسية وتساهلوا في واجبهم الإسلامي مما جعلهم في خطر من فقد هويتهم الإسلامية.

ونظرا لأن كثيرًاً منهم جاءوا من مناطق مختلفة من البلاد وتكلموا بمختلف اللغات مثل التاميل والهندية والتليج، قام بإدخال اللغة الأوردية كلغة للإسلام لكي يجعل لغة واحدة كوسيلة للتدريس والتعليم. وواظب على برامج التعليم ليعلم الناس الإسلام.

قام بتدريس الشباب ليصبحوا مدرسي التربية الإسلامية، وليدرسوا في رفيرسايد وعند الحاجة أرسلهم إلى مراكز مختلفة ومساجد كذلك كأئمة ومدرسين. وقد كان الشيخ أول مسلم في جنوب إفريقيا يقوم بتدريس تعاليم الإسلام لنزلاء السجون وقد فعل ذلك عن طريق إنشاء علاقة وثيقة مع هيأة السجون والحكومة.

دار الأيتام

لاحظ صوفي صاحب أن هناك الكثير من الأطفال يتجولون في الشوارع من غير توجيه ورقابة الآباء. لهذا الغرض أنشأ داراً للأيتام يشار إليها في الأوردو بيتيم خانا.

ويجزم ي. صاحب[6]  1993:44(م)- بأن «يتيم خانا» (دار الأيتام) شهدت حضور صوفي صاحب بمثابة الأب الذي كان يقوم بالليل في أوقات متعددة للاطمئنان على أحوال الأطفال ونومهم وتغيير ملابسهم وأغطية أسرّة من بللوا أفرشتهم.

الزاوية

أنشأ الشيخ كذلك زاوية لتعليم العقيدة والأعمال التشستية للاحتياجات الروحية لمريديه.  وقبِل صوفي صاحب أيضا أولائك المريدين الذين لديهم طلب خاص لتعليمهم العقائد. وبالرغم من أنه كان نفسه من أتباع الطريقة التشستية كانت زاويته تخدم المسلمين من مختلف الفئات وتقوم بالإرشاد الروحي للجميع.

مشاكل داخلية

كل الخلافات الداخلية والتجارية التي جرت بين المسلمين وغير المسلمين كانت تُحال إلى صوفي صاحب لتسويتها. وكان حكمه في تلك الأمور يعتبر نهائياً.  وبالتالي كان التركيز على تأسيس مجتمع خال من الخلاف.

مشروع الإطعام اليومي

نظرًاً لانتشار الفقر في المجتمع، قام الشيخ بإنشاء مشروع الإطعام لسد حاجة الفقراء والمعوذين. حيث لم يوزع الخضر والطعام على أساس يومي فحسب، بل لجميع المحتاجين على اختلاف أديانهم وثقافاتهم. هذا العمل استمر في جميع المراكز والمساجد التي أنشأها في نواحي البلاد، وخاصة في يوم الجمعة.

بالإضافة إلى ما ورد أعلاه أنشأ الشيخ مركزًاً صحياً للناس من مختلف الديانات والثقافات، وكان الدواء التقليدي يوزع مجاناً، فضلاً عن إنشاء مركز تأهيلي لإعانة من كانوا يعانون من تناول المخدرات.

لقد كان تأثير عمل الشيخ كبيرًاً لدرجة أن الأمر استدعى وجوب استنساخ العمل الذي قام به في رفيرسايد، في بقية أنحاء الإقليم مثل كيرنفال, وسبرينجفيلد, و45 كاتنج, وتونجات, وبيتيرمرتسبرج, وليديسميث.

لم يتوقف عمل الشيخ في شرق الإقليم من كوازولو ناتال بل انتشر في جميع أنحاء البلاد في مناطق مثل كلنسو، وكيب تاون وليسوثو.

خاتمة

يمكن تلخيص طريقة صوفي صاحب كالآتي:

التطور الروحي: تمنى أن يصوغ مجتمعاً مؤمنا يقوم بتطبيق الإسلام وفي نهاية المطاف أنشأ مساجد وزوايا لنشر وتطبيق العقيدة الإسلامية بين المسلمين الذين كانوا وقتذاك يظهرون سلوكا مخالفاً للإسلام.  ولكي يحقق الأهداف المذكورة أدرك واستيقن بأن المسلمين كانوا في حاجة إلى العلاقة مع الله من خلال الطريقة التشستية الروحية.

التعليم الإسلامي: لقد ضمن الشيخ إنشاء معهد لنشر التعليم الإسلامي على أساس العقيدة الأشعرية. وبما أنه كان شافعي المذهب، كان يدرس المذهب الحنفي ويحث على الالتزام به.

العلاقات بين الأديان: أراد أن يساعد المجتمع المسلم كي يحتفظوا بهويتهم كمسلمين في بيئة غير مسلمة، وفي نفس الوقت ضمن تعايش المسلمين مع الفرق الدينية الأخرى في سلم وتآلف. يتضح ذلك من خلال توسعة خدماته للجميع وبناء علاقة أخوة مع مهتما غاندى.

ستظل إسهامات وأعمال الشيخ شاه غلام محمد الصوفي راسخة في التاريخ باعتبارها من أعظم الإسهامات التي قام بها فرد واحد لحفظ الإسلام في إفريقيا. أتى في وقت كان المسلمون تحت سيطرة البريطانيين ويفتقرون إلى التوجيه الديني والروحي. وفي وقت وجيز ومع وجود مصادر محدودة وأحوال بائسة، أصبحت خدمات الشيخ مبعث أمل وتطوير لأناس كثيرين. كانت تعاليمه قائمة على الثوابت الدينية كالتصوف والعقيدة الأشعرية وقبول المذاهب الأربعة وقد لعب ذلك دوراً مهماً في بعث المحبة والتسامح بين المسلمين. فمن خلال تلك التعاليم ظلت شعلة الإسلام متقدة في زمن كان حق العيش كمسلم لا يُعترف به.

إن بصماته الواضحة التي تركها في المجتمع المسلم ستظل محسوسة لدى الأجيال القادمة. وسيظل مرقده في حي رفيرسايد في ديربان أحد الرموز الإسلامية في جنوب إفريقيا.


الهوامش

[1] Gabeba Baderoon, Regarding Muslims: From Slavery to Post-Apartheid, Johannesburg, Wits University

. Press, 2014, p. 156

[2] -2 تقع كيب تاون في منطقة غربية من جنوب إفريقيا.

[3] -هي الطريقة الصوفية المشهورة للشيخ محي الدين شستي في الهند.

[4] -هي ضاحية في مدينة دربن التي تقع في شرق البلاد.

[5] .Alleyn Diesel. Our Sufi Heritage, The Witness Newspaper, 6 November 2015-

[6] Yunus Saib, Sufi Sahib Contribution to the Early History of Islam in South Africa. M.A honours Disserta–tion. University of Durban Westville. 1993

تحميل المقال بصيغة PDF