مجلة العلماء الأفارقة

مجلة العلماء الأفارقة مجلة علمية نصف سنوية محكمة تعنى بالدراسات الإسلامية والثوابت المشتركة بين البلدان الإفريقية تصدرها مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة. تنشر فيها مقالات علمية تخدم أهداف المؤسسة المنصوص عليها في الظهير الشريف الصادر بشأنها

جهود العلماء الأفارقة في خدمة الثوابت الدينية المشتركة

Slider

الأصول السلفية للثوابت الدينية المشتركة

د. حسن عزوزي
رئيس المجلس العلمي لإقليم مولاي يعقوب- المملكة المغربية

لا شك أن اتباع منهج السلف الصالح، أي ما كانت عليه الأجيال الأولى المفضلة ومن سار على نهجها وطريقتها إنما يكون بالرجوع إلى ما احتكموا إليه من قواعد وضوابط فهم النصوص وتأويلها وأصول الاجتهاد والنظر في المبادئ والأحكام. وبذلك تكون كل طائفة برهنت على حسن التأسي والوفاء لتلك المرحلة التاريخية المباركة داخلة في رحاب السلفية. فيكون الرجوع إلى هذه القواعد والمبادئ هو واجب المسلمين جميعا على امتداد العصور فلا يختص بالرجوع إليها والانضباط بها سلف دون خلف، بل هو القاسم المشترك والنسيج الجامع لشتى طوائف المسلمين على اختلاف عصورهم وأمكنتهم. كما أنه من الصعب الاحتكام في مسألة الاتباع إلى قضايا محددة ترتكز على ظواهر الأمور في غفلة من استحضار أهمية التعلقات القلبية التي لا يطلع عليها إلا الله سبحانه وتعالى. ولذلك جاء في أحد الآثار قوله صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه:” ما فاتكم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في قلبه”[1]، وجاء أيضا في الحديث الذي رواه الشيخان: “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”[2].

السلفية منهج في الاتباع لا تستأثر به طائفة دون أخرى

إذا كان الأمر بهذا الوضوح فإنه من الصعب الاستئثار بمصطلح” السلفية” وجعله عنوانا مميزا تندرج تحته طائفة معينة من المسلمين دون غيرهم، فالسلفية منهج في فهم كتاب الله وسنة رسوله رسمه السلف الصالح لتفسير النصوص الشرعية واستنباط الأحكام وضبط أصول النظر والاجتهاد، فكل من التزم بهذا المنهج فقد دخل في دائرة السلفية وإن عاش في القرون الأخيرة، وكل من لم يلتزم به فقد خرج عن تلك الدائرة وإن عاش في القرون الأولى كما هو الشأن بالنسبة للمعتزلة والمرجئة والخوارج وغيرها من الطوائف المنحرفة، إذ لا يختلف اثنان في كون عصر السلف الصالح قد ضم فرقا وجماعات شتى شذت وانحرفت عن المنهج المحَكم فلم تغنهم سلفيتهم من الله شيئا فكانوا بذلك من المبتدعة في نظر جميع أهل السنة والجماعة.

فالسلفية إذن ليست مجرد التمسك بقائمة من الآراء الاجتهادية المعينة والدفاع عنها وتسفيه الخارجين عليها ونسبتهم إلى الابتداع سواء فيما يتعلق بالأمور الاعتقادية أو الأحكام الفقهية والسلوكية، وإنما السلفية بمضمونها الواسع تتسع لكل من سار في حياته على منهج السلف الصالح واسترشد بضوابط هذا المنهج الجامع. وبذلك لن تكون طائفة من طوائف المسلمين أولى من الأخرى بدعوى الالتزام والاتباع، كما أن أي طائفة منها ليست أحق من غيرها بتهمة الجنوح والابتداع. وكون الشخص لا يسمى بالسلفي لا يخرجه عن دائرة السلفية إذا كان من المحققين والملتزمين بمقتضياتها لأنها ليست جماعة تقتصر على أفراد معينين ينتسبون إليها، بل هي منهج ورؤية يقومان على اقتناع بضرورة معرفة وتطبيق منهج السلف الصالح، كما أن صفة السلفي لا تنفي الاتصاف بأوصاف أخرى، فجائز أن يوصف المرء بالسلفي والمالكي في نفس الوقت خلافا لما يظنه كثير من الناس.

إن المعروف في تاريخ الأمة الإسلامية أن السواد الأعظم من جماهيرها على اختلاف مذاهبهم السنية يحملون في جوانحهم تلك الرغبة الأكيدة في الاقتداء بالسلف الصالح المتصفين بالخيرية. وما اتباع السلف إلا الصبغة العامة لسائر المسلمين، وكما صح للسلف الصالح أن يختلفوا تحت مظلة ذلك المنهج المتبع والمحَكم فلا شك أنه يصح للذين جاءوا بعدهم متبعين لهم ومقتدين بهم أن يختلفوا تحت تلك المظلة ذاتها كما اختلفوا.

والحاصل من هذا أن السلفية مذهب الأمة الجامع الذي ينتظم سوادها الأعظم على أقدار متفاوتة ومستويات متباينة. ولعل أوسع مفاهيم السلفية ما كان يقول به أوائل العلماء من أن أهل السنة والجماعة هم سلف الأمة. والجماعة – كما هو معلوم- ضد الفرقة وهي تعني الأغلبية. وعندما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الفرقة الناجية قال: “هي الجماعة”. وقال في حديث آخر: “عليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة”[3]، وقد أورد الإمام الشاطبي خمسة تعريفات للفرقة الثالثة والسبعين التي هي الفرقة الناجية فذكر منها قوله: “إنهم السواد الأعظم من أهل الإسلام، وعليه يدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وأهل الشريعة ومن سواهم داخلون في حكمهم لأنهم تابعون لهم ومقتدون بهم”[4].

وتحدث الآمدي عن هذه الفرقة فقال: هي الأشاعرة والسلفية من المحدثين وأهل السنة والجماعة، ذلك لأنهم لم يخلطوا أصولهم بشيء من بدع القدرية والخوارج والمرجئة وغيرهم”[5] كما يفهم من أقوال العلماء الذين يرون أن السلف هم أهل السنة والجماعة الذين يمثلون السواد الأعظم من المسلمين أن دائرة السلفية واسعة ورحبة ولا يمكن بحال من الأحوال أن تكون شارة انتماء إلى جماعة إسلامية معينة من بين عموم المسلمين، خاصة إذا كانت تسعى إلى احتكار الانتساب إلى السلف بإلقاء تهم التفويض والتأويل والابتداع على غير الملتزمين بمعاييرها وآرائها، بل إنها تعبر عن الطريق أو المنهج الذي ينبغي لجميع المسلمين انتهاجه وسلوكه. لذلك لا مجال لتضييق مضمون -السلفية-، واختطافه والاستئثار به لصالح فئة دون الفئات الأخرى، لأن الأمر يجر إلى اتهام السواد الأعظم من الناس بأنهم خارجون عن دائرة “السلفية” والخروج والجنوح لا يمكن أن يصدرا من الجماعة الغالبة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث: ” لا تجتمع أمتي على ضلالة”[6].

إن العلماء الأفذاذ الذين ظهرت عن طريقهم ثوابت واختيارات في الممارسة التدينية كانوا واعين أشد ما يكون الوعي بالحدود الفاصلة بين البدع المحدثة والسنن الحسنة، ومدركين تمام الإدراك لمشروعية تلك الاختيارات وعدم خروجها عن نطاق يفرزه الاجتهاد من طرق جديدة في الوفاء للتوجيهات الشرعية وفتح مجالات واسعة لسن طرق الخير والعمل المسنون.

إن الممارسة التدينية للمغاربة لم ينشئها عامة الناس أو من لا معرفة لهم بأصول الاستنباط ومقاصد الشريعة، وإنما هي اختيارات أسسها ورعاها علماء المغرب وحراس وجوده المعنوي المؤتمنون على بيان شرع الله ومقاصده ينفون عنه التحريف والانتحال حتى صاروا مضرب المثل في التمحيص والتحقيق والتدقيق. وقد كانت لهم ولا تزال اليد الطولى في مقاومة البدع والتنبيه على آفتها من خلال الوفاء لروح النصوص الشرعية ومقاصدها، إذ لا يخفى أن العلم يشمل النص ومقصد النص وبذلك استطاعت سلفية المغاربة الجمع بين النص ومقاصده فاتخذت من فهم النص منطلقها ومن النفوذ إلى مقاصده غايتها، وهذا ما تغياه الإمام الشاطبي رحمه الله في كتابه: “الموافقات” عندما خصص حيزا هاما لموضوع مقاصد الشريعة المؤسسة على إتقان تنزيل النصوص الشرعية بعد إحسان فهمها واستحضار مقاصدها.

كما أن الاختيارات التدينية للمغاربة والأفارقة هي في كثير من الأحيان داخلة في إطار الاختلاف الفقهي الواسع الذي تحركت في إطاره اجتهادات علماء السلف الصالح باعتباره رحمة وسعة من الله تعالى لعل أهمها: أصل مراعاة الخلاف في المذهب المالكي وأصل تكافئ الأدلة وغير ذلك من الأصول التي بنى عليها العلماء المغاربة اختياراتهم في الممارسة التدينية مطمئنين إلى كون اجتهاداتهم تخدم مبدأ الوفاء لسلفيتهم المغربية.

إن الواقع الديني والاجتماعي الذي تتحرك في إطاره الثوابت الدينية المشتركة مجال واسع ومتنوع له تمثلات منسجمة ومتناغمة جعلت منه نموذجا متميزا في التدين، فهو ليس حبيس نظرة محدودة أو قراءة ضيقة بعيدا عن الفهم والإدراك الجيدين لواقع الأمور في ضوء السنن التاريخية والاجتماعية، بل إنه مرتبط بعوامل التأثير الدائمة فيه والمتمثلة في الزمان والمكان والأشخاص والأحوال ابتداء ومآلا. يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: ” ينبغي على المجتهد النظر فيما يصلح بكل مكلف في نفسه بحسب وقت دون وقت وحال دون حال وشخص دون شخص، إذ النفوس ليست في قبول الأعمال الخاصة على وزان واحد”..[7].

الأصول السلفية للثوابت الدينية

تعتبر الثوابت الدينية التي اقتنع بها المغاربة والأفارقة على السواء واستقر إيمانهم في إطارها مقومات لنموذج التدين المستمد من عمل السلف الصالح، وهو ما يتبين من رصد الأصول السلفية لكل ثابت من هذه الثوابت وفق ما يلي:

أولا: العقيدة الأشعرية

إن المتأمل في السياق التاريخي الذي ظهر فيه الإمام أبو الحسن الأشعري الذي استطاع أن يظهر بمذهب عقدي وسطي في مواجهة المذهب الاعتزالي المهيمن آنذاك يسهل عليه إدراك طبيعة المغاربة والأفارقة عبر التاريخ في نبذهم للغلو والتطرف فكرا وممارسة. ولذلك كان اختيارهم للأشعرية نابعا من رغبة في التمذهب بمذهب سني وسطي بعيد عن المذاهب العقدية ذات المنزع المتشدد.

لقد كان أهل السنة والجماعة يتأففون من الخوض في علم الكلام فتجرأ عليهم المعتزلة وغيرهم من أهل الفرق المخالفة، ولما ظهر أبو الحسن الأشعري وقد خبر المذهب الاعتزالي وعاش في كنفه مدة طويلة ثم تخلى عنه، أسس مذهبا سُنيا تظافرت الأدلة على أنه –تاريخيا- امتداد لمنهج السلف وطريقتهم، ولذلك فإن أبا الحسن لم يبدع طريقة جديدة أو مذهبا جديدا خاصا به وإنما كان على طريقة السلف، فهو واحد منهم وعلى أيديهم تخرج وبمذهبهم في التفويض والتأويل أخذ.

لقد كان من بواعث اختيار المذهب الأشعري سلوكه مذهب السلف في الاعتقاد وهو المذهب المتسق والمنسجم مع طبيعة الذهنية المسالمة الرافضة لمواقف الغلو والتطرف. ولذلك فإن الأشعرية باعتبارها عقيدة السلف التي اختارها المغاربة والأفارقة عن إيمان واقتناع هي التي ضمنت لهم إلى جانب الثوابت الدينية الأخرى الأمن الروحي العاصم من فتن المعتقدات الجانحة، كما ضمنت لهم وحدة المعتقد السلفي وأمنتهم من الوقوع في فتنة التكفير بالذنب التي وقعت فيها طوائف عديدة.

ثانيا: المذهب المالكي

لقد كان في اختيار أبناء المغرب وبعض الدول الإفريقية للمذهب المالكي بعدما كانوا قد عرفوا مذاهب فقهية أخرى تحولوا عنها أكبر دليل على توقهم ونزوعهم إلى ما هو أصيل وأقرب إلى منابع السلفية في عمقها الزماني والمكاني. وإذا كانوا قد ساروا أمدا على مذهبي أبي حنيفة والأوزاعي بالعراق والشام، فإنهم سرعان ما تحولوا إلى مذهب عالم أهل المدينة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتأكد الأمر أكثر عندما نعرف كيف تحولوا كذلك – وبباعث سني- عن قراءة ابن عامر الشامي وحمزة الكوفي إلى قراءة نافع المدني التي قال عنها الإمام مالك رحمه الله: (إن قراءة نافع هي السنة)[8].

لذلك فإن أخذ المغاربة والأفارقة بالمذهب المالكي هو نزوع منهم إلى الأخذ بمذهب يمزج بين عقيدة سلفية وفقه يمثل الواقع العملي الذي ترك النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عليه، فكان أخذهم بالمذهب المالكي في شقيه العقدي والفقهي تأكيدا لنزعتهم السلفية القائمة على مرجعية سنية صافية نشأت وتمت بالمدينة المنورة التي تفضل عن غيرها من الأماكن لأكثر من اعتبار، لعل أبرزها كون المدينة المنورة هي التي احتضنت وراثة عظيمة حافظ عليها علماء الصحابة في المدينة ونقلوها إلى علماء التابعين فيها حتى جاء الإمام مالك رحمه الله فلخص هذه الوراثة في أصوله ومنهجه في الاستدلال جامعا بين النص ومقاصده. ولا شك أن اختيار المغاربة والأفارقة وخاصة في بلدان غرب إفريقيا لمذهب مالك (رضي الله عنه) يرجع أساسا إلى طبيعتهم النزاعة إلى طلب الحق وصحيح السنة ورفض البدع العقدية قبل البدع العملية. ويذكر القاضي عياض الذي أحاط بتراجم المالكية خلال القرون الأولى أنه بحث في أحوال رجالات المالكية فلم يجد منهم رجلا نسب إلى إحدى البدع العقدية مؤكدا على أن الأخذ بمذهب مالك فيه سلامة المعتقد[9].

إن وحدة المغاربة والأفارقة على المذهب المالكي يعتبر مظهرا من مظاهر سلفيتهم وتدينهم الثابت. وقد خدموا هذا المذهب خدمة جليلة من خلال تأطير مجال العبادات والمعاملات وغيرها عن طريق استنباط الأحكام الفقهية بمنهج وسطي خلاق، يجمع بين النص والرأي ويوفق بين العقل والنقل مع النزوع إلى الاجتهاد وفق أصول متميزة تعمل على تحقيق المصالح والأخذ بما جرى به العمل دون إغفال ربط الاجتهادات الفقهية بالبيئة والأعراف السائدة.

 ثالثا: التصوف السني

لا شك أن الناظر في السلفية التي سار عليها المغاربة والأفارقة وعلماؤهم وتناقلوها جيلا عن جيل وقرنا عن قرن يجد أنها تقوم على أساس من التزكية المطلوبة للوصول إلى مقام الإحسان القاضي بضرورة تحقيق الانسجام بين المظهر والمخبر، وهو ما عبر عنه حديث جبريل عليه السلام عندما شرح معنى الإحسان بمعنى المراقبة وحصول المطابقة بين الظاهر والباطن.

إنه بكل وضوح مسلك في التخلق والتزكية يضبط أعمال المؤمن بضابط المحاسبة، محاسبة النفس التي هي وسيلة لتهذيب الجوانب الروحية تقربا إلى الله تعالى من جهة، ووسيلة لتحقيق التساكن والتعايش بين الناس من جهة أخرى.

ولقد اختار المغاربة تهذيب سلفيتهم وتنميتها بهذا الثابت السلوكي على اعتبار أن طريقة الإمام الجنيد التي اصطفوها نهجا محددا وموجها لسلوكهم تنتمي إلى مرحلة السلف الصالح المباركة. فالإمام الجنيد عاش خلال القرن الثالث الهجري وكان سلفيا في تمذهبه العقدي والفقهي، فاستحق بذلك لقب إمام الطريقة وقدوة أئمة التصوف.

إن اتباع المغاربة لطريقة الإمام الجنيد هو اقتداء بطريقة سلوكية مبنية على منهج السلف الصالح في اتباع الكتاب والسنة، ولذلك اشتهر عنه قوله: “علمنا هذا مشيد بالكتاب والسنة، والطريق إلى الله تعالى مسدود على خلقه إلا على المقتفين آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم.”

ولذلك عندما تفاعل غالبية المغاربة والأفارقة مع التصوف واختاروه ثابتا أساسيا ضمن ثوابتهم، كانوا مدركين لأهمية اعتبار تلك الأصول والقيم الأخلاقية حقائق سامية تتمثل في تطهير القلب من أدران الضغائن والأحقاد حيث يزداد المؤمن بذلك مراقبة لله وتمسكا بشرائعه وأحكامه ويزداد حيطة في تجنب المحرمات والقيام بالواجبات. وإنما المثل الأعلى في هذا كله سيدنا محمد صلى الله وسلم ثم الرعيل الأول من هذه الأمة. وهذه الحقائق لا يرتاب مؤمن صادق في إيمانه في كونها تمثل لب الإسلام وجوهره. وهو من أبرز ما كان يتحلى به السلف الصالح رضوان الله عليهم وقد حرص المغاربة والأفارقة ولا يزالون في إطار من الوفاء لسلفيتهم على أن يتميزوا بها ويتحلوا بمكارمها، وذلك بقطع النظر عن أي تسمية يمكن أن يصطلح عليها تعبيرا عن هذه الحقائق والقيم الروحية السامية. وإذا كان هناك من لا يستسيغ مصطلح “التصوف” باعتباره حادثا، فليكن اسما حادثا لمسمى قديم لا يعدو أن يكون بمثابة سعي وحرص بالغين على تزكية النفس وتهذيبها.

رابعا: إمارة المؤمنين

لا شك أن سلفية المغاربة في نصب الحاكم الشرعي على طريقة السلف الصالح المتمثلة في بيعته والالتزام بلوازمها ومقتضياتها أمر واضح وجلي، وقد أجمع المغاربة على أن إمارة المؤمنين تعد من النعم الكبرى والفضائل العظمى التي حمت سائر الثوابت الدينية المميزة للهوية المغربية وحققت لهم نعمة الاتحاد التي تم بها نظام الدنيا وصلح عليها نظام الدين.

ويعتبر ثابت إمارة المؤمنين أجل الثوابت وأعظمها منزلة، وهو أقدم مقوم من مقومات سلفية المغاربة وعلمائهم على امتداد التاريخ الإسلامي، إذ يرجع أصله إلى خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته حيث تولى الخلافة أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) الذي تسمى بخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تولى بعده عمر (رضي الله عنه) الذي كان أول من لقب بأمير المؤمنين.

ومنذ ذلك الوقت اصطبغت الإمامة العظمى بالمشروعية الدينية والسياسية في توفيق متناغم بين شؤون الدين والدنيا، وبلغت عناية علماء الإسلام منذ عهد السلف الصالح إلى اليوم بأحكام الإمامة العظمى إلى درجة إفرادها بمؤلفات خاصة ضمنوها ما تمس حاجة الأمة إلى معرفته لتنتظم شؤونها وتستقر أوضاعها وتستقيم أحوالها.

ولما كان سلفنا الصالح رضوان الله عليهم أحرص الناس على إقامة مظاهر الشريعة وحماية بيضة الإسلام من الفتنة والفرقة، فقد حرصوا على وجود إمامة عظمى تحمي الملة والدين وتجنب الأمة مفاسد الاضطراب والفوضى. وبهذا يتأكد أن الإمامة العظمى التي تمثلها لدى المغاربة إمارة المؤمنين تعتبر مبدأ ثابتا من مبادئ السلفية، حيث اقتنع المغاربة منذ القديم بضرورة تلازم الدين والإمامة العظمى وأصبحا في ثقافتهم أمرين متلازمين لا يغني أحدهما عن الآخر، فالدين يرسم للإمامة الوجهة السليمة، والإمامة تحرس الدين وتسهر على إقامة مراسمه وشعائره.

وفي بلاد المغرب أخذت إمارة المؤمنين المبنية على عقد البيعة الشرعية المتجدد على عاتقها هذا الواجب المقدس فشكلت بذلك القطب الذي أوجد انسجاما متناغما في ضمير المغاربة بين السياسة والدين وفاء لسلفيتهم وإظهارا لمدى تعلقهم بآل البيت تعلق تشريع ومحبة وهو ما يقوي مستوى تمثلهم للسلفية والولاء للثوابت والمرجعيات الشرعية المعتبرة.

الهوامش

[1] – أورده الغزالي في كتابه الإحياء، 1 /221.

[2] – متفق عليه.

[3] -سنن الترمذي، كتاب الفتن، حديث رقم 7612.

[4] -الاعتصام، 2 /062.

[5] – الآمدي، أبكار الأفكار في أصول الدين، 5 /62.

[6] – أبو داود في سننه: كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها، حديث رقم 3524.

[7] – الموافقات، 5 /55.

[8] – ابن مجاهد، كتاب السبعة في القراءات، ص:26.

[9] – ترتيب المدارك، 1 /72.

تحميل المقال بصيغة PDF