مجلة العلماء الأفارقة

مجلة العلماء الأفارقة مجلة علمية نصف سنوية محكمة تعنى بالدراسات الإسلامية والثوابت المشتركة بين البلدان الإفريقية تصدرها مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة. تنشر فيها مقالات علمية تخدم أهداف المؤسسة المنصوص عليها في الظهير الشريف الصادر بشأنها

جهود العلماء الأفارقة في خدمة الثوابت الدينية المشتركة

Slider

دور التجار الفاسيين في ترسيخ روابط المغرب الإفريقية

د. سمير بوزويتة
عميد كلية الآداب سايس- فاس

منذ إعلانه في منتصف يوليوز 2016م عن نيته العودة إلى الاتحاد الإفريقي، يعول المغرب خصوصا على العمل الدبلوماسي الاقتصادي لكسب أكبر دعم ممكن لقضيته فيما يعرف بدبلوماسية العقود، فبدأ ملك المغرب محمد السادس نصره الله، في الأشهر الأخيرة رحلات في إفريقيا من رواندا إلى تنزانيا، والغابون، والسنغال، وإثيوبيا، ومدغشقر… وشهدت كل واحدة من هذه الرحلات التي يرافق العاهل المغربي فيها وفد من الوزراء وأرباب العمل ورجال الأعمال، توقيع عدد كبير من الاتفاقات التجارية.

لقد سبق للتجار المغاربة عامة والتجار الفاسيين على وجه التحديد أن مارسوا الدبلوماسية التجارية في القارة الإفريقية. وساهموا في بلورة سياسة التعاون مع الجنوب، حيث كان المغاربة سباقين إلى الاستثمار في دول إفريقيا جنوب الصحراء في تواريخ مبكرة.

تسعى هذه الدراسة إلى رصد مسارات الحضور الفاضي بربوع الدول الإفريقية، حيث لعبت فاس دورا كبيرا عبر تاريخها الطويل في العلاقات المغربية الإفريقية، وذلك بالنظر إلى موقعها الجغرافي ومؤهلاتها الاقتصادية وإشعاعها الفكري والثقافي والديني. فقد ساهمت بشكل كبير في نشر الإسلام بإفريقيا وفي انفتاح القارة السمراء على المشرق العربي الإسلامي وعلى بلاد الأندلس وعلى الحوض المتوسط.

جعلت هذه المكانة مدينة فاس حاضرة في الفكر الإفريقي بشكل ملموس، كما جعلت إفريقيا حاضرة في الفكر المغربي عموما وفي الموروث الوثائقي والمصدري بفاس على وجه الخصوص.

أسف ليست لدينا دراسات عن جميع التجار في مختلف المدن سوى فاس، ولذلك سوف نقف على وثائق تهم قضايا التجار الفاسيين بإفريقيا جنوب الصحراء خلال القرن التاسع عشر الميلادي .

لم تكن فاس باب التجارة المغربية، وإنما كانت خزينا لها، وبالأخص ما يهم المبادلات مع الخارج، وذلك ارتبط بتوفر مدينة فاس على الوسائط والفنادق والخزائن والأهراء ودور السلع من جهة أولى، ولما حبي به البعض من أهلها من حب للمال وللربح من جهة ثانية، ولأنها كانت عاصمة للبلاد من جهة ثالثة، ولموقعها الجغرافي من جهة رابعة.

1– التجار الفاسيون وبناء وعي الشتات

كانت التجارة بإفريقيا تستهوي أفئدة عدد من المغاربة على اختلاف مشاربهم ودياناتهم. ولم يكن بدول إفريقيا فاسيون فقط، بل كان بها أيضا من أهل المدن الأخرى مثل مراكش وسوس.[1]وعموما كان للتجار الفاسيين بهذه الدول حضورا تجاريا بارزا، وكانت تجارتهم رائجة ومربحة بالمدن الإفريقية.[2]

ووفق هذا وذاك، سيتم اقتفاء المعبرين الآتيين: السينغال والكوت ديفوار. فأما السينغال، فهي البلد الأول الذي عرف هجرة مبكرة خلال المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، بينما الهجرة نحو الكوت ديفوار فتعود إلى منتصف القرن العشرين الميلادي، هناك إذن قرن كامل يفصل بين الهجرتين. ويرجع اختيار هذين البلدين لكونهما يضمان أكبر تجمع للمغاربة في إفريقيا جنوب الصحراء. كما أنهما يكونان حلقتين متكاملتين لتيارات الهجرة نحو هذا الجزء من إفريقيا. فإذا كانت هجرة المغاربة نحو السينغال يفسرها العامل التجاري والديني، فإن الهجرة إلى الكوت ديفوار مرتبطة ارتباطا قويا بالعامل الاقتصادي، لأن الاستقرار المكثف للمغاربة بهذا البلد تزامن مع الطفرة الاقتصادية التي عرفها الكوت ديفوار خلال العقدين المواليين لاستقلاله.[3]

أ – الظروف التي أفرزت الهجرة الفاسية إلى إفريقيا الغربية

عرفت مدينة فاس خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ازدهارا تجاريا ساهم فيه الاستقرار السياسي الذي ميزها.  وقد تناول عبد الواحد أكمير أربع محطات رئيسية لدراسة الحضور الفاضي بإفريقيا الغربية وهي: سان لوي، دكار، بامكو، أبدجان؛ ذلك لأن أهم حضور فاضي بإفريقيا الغربية خلال المائة سنة الأخيرة، تمركز بهذه المدن. وكانت مدينة سان لوي المحطة الأولى التي جلبت التجار الفاسيين، وقد ساهم في جلبهم إليها الاستقرار السياسي، حيث تم في 1864م اغتيال الحاج عمر والذي سبق أن كون إمبراطورية على امتداد نهر السينغال وقد كانت السياسة التي اتبعها والتي ترتكز على الجهاد ضد الكفار إحدى العقبات الرئيسية التي واجهت الفرنسيين قبل إخضاع المنطقة.[4]وبعد الحاج عمر قام الفرنسيون باغتيال ’’ لات ديور’’ عام 1886م، إثر ذلك خضعت منطقة كايور(Cayor)  التي كانت تحت سيطرته. وفي الفترة نفسها، قضت فرنسا على جل الثوار الآخرين. ويمكن القول إنه خلال الثمانينات كان النفوذ الفرنسي قد غطى مختلف أنحاء السينغال والتي أعلن بها عن نظام الإدارة المباشرة عام 1882م   .[5]وفيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، ربط الفرنسيون سان لوي بدكار وبامكو بواسطة شبكة من السكة الحديد خلال ثمانينات القرن التاسع عشر الميلادي، وعلى ذلك ارتفع بشكل سريع عدد الشركات التي قامت باستغلال الخط البحري، مما أدى إلى تزايد سريع في حجم المبادلات التجارية وكذا في عدد المهاجرين. كما أن هذه التحولات الاقتصادية التي عرفتها هذه الجهة من إفريقيا الغربية أدت إلى إنشاء المؤسسات البنكية[6].

ب – بداية الهجرة الفاسية إلى السينغال

هناك تضارب بين المصادر التاريخية حول من هم أوائل الفاسيين الذين وصلوا إلى سان لوي وكذا السنة التي هاجروا فيها.

يشير لوي بانل (Louis Panel) أنه أثناء إقامته في سان لوي عام 1850م تعرف على مغربي من مدينة فاس اسمه الحاج عبد السلام، وأن هذا الأخير كان قد هاجر إلى سان لوي قبل ذلك بسنتين أو ثلاث. مقابل ذلك يشير بواهين (A.Boahen) في كتابه «التاريخ العام لإفريقيا» إلى أن أوائل المغاربة وصلوا إلى السينغال خلال السبعينات من القرن التاسع عشر الميلادي حيث استقروا بمدينة سان لوي. في حين أن الدكتور دانفريفيل  D’Anfreville والذي كتب تقريرا عن الجالية المغربية بسان لوي عام 1905م، واستنادا إلى دراسة ميدانية يحدد عام 1880م كتاريخ لبداية الهجرة المغربية إلى سان لوي ويعطي اسم مولاي علي الكثيري الذي كان قد هاجر من مدينة فاس كأول مغربي وصل إلى هذا البلد. وأنه نظرا للنجاح الذي لقيته تجارته استدعى مباشرة زميلا له هو أحمد برادة.

وتفيد بعض شهادات قدماء المهاجرين الفاسيين بسان لوي أن أول مغربي وصل إلى هذه المدينة هو محمد السباعي والذي شهد زرع أولى أشجار المنجاة Mangueالذي كان قد جلب من جزر المارتيني.

بدأت حوليات السينغال تنشر أسماء التجار المقيمين بالمستعمرة منذ عام 1858م ولم تذكر اسم أي مغربي إلا عام 1886م. من خلال هذه الحوليات نستشف كذلك أن أولى المحلات التجارية الفاسية بالسينغال ظهرت بسان لوي، ولم تسجل محلات تجارية للمغاربة بجهات أخرى إلا عام 1891م، حيث أنشأ في هذه السنة تاجر اسمه الشريف سيدي محمد متجرا بروفيسك، وفي العام نفسه أنشأ بدكار فاسيان هما الطاهر كنون ومحمد بن جلون محلاتهما التجارية. وفي عام 1905م كان نصف المحلات التجارية التي يمتلكها المغاربة بالسينغال توجد بسان لوي (ثلاثة وثلاثون من مجموع  سبعة وستين) في حين أن الباقي كان يوجد في مختلف جهات المستعمرة أساسا ببعض المراكز الحضرية الناشئة، دكار (اثنا عشر محلا)، تياس ستة محلات ،روفسك ثلاثة محلات، بالإضافة إلى ذلك كان هناك حضور مهم في تياواوين (سبعة محلات) والتي كانت إلى ذلك التاريخ عبارة عن قرية متواضعة، لكن أهميتها تتمثل في كونها مقرا للطائفة التيجانية والتي تنظر بتقدير خاص لكل ما هو مستورد من فاس .ولعل التزايد العددي للمغاربة بسان لوي خلال هذه الفترة ما يعلله، فمولاي علي الكثيري الذي هاجر عام  1880م حقق أرباحا كبيرة في مدة محدودة وقد دفعه ذلك إلى استدعاء أحد زملائه حسب رواية الدكتور ’’دانفريفل’’. وهنا لا نستبعد أن يكون هذا الربح قد دفع بعشرات آخرين إلى الهجرة بحثا عن الثروة.

ج – المنتوجات التي كان يتاجر فيها المغاربة بالسينغال

كان التجار الفاسيون يتاجرون في اللباس المغربي التقليدي بكافة أنواعه، لكن بجانب هذا اللباس كانت تصل منتوجات أخرى مثل النسيج الأوروبي، الكتب الدينية، العطور، البخور، والحلي… ونقف عند أهم هذه البضائع:

اللباس المغربي التقليدي: كان هذا اللباس يتكون من الجلباب والقفطان والحايك والبلغة وغيرها[7].  فقد كانت القوافل القادمة من تافيلالت وكلميم أو فاس تتجه إلى تمبكتو حيث تقوم بتسويق جل سلعها، ومن هنا كان بعض التجار السينغاليين والسودانيين والمغاربة يقومون بنقلها إلى السينغال.  إلا أنه منذ ثمانينات القرن التاسع عشر الميلادي بدأ بعض التجار يأخذون هذه السلع مباشرة من مدينة فاس مستعملين في ذلك الطريق البحري. [8]

وقد كان هذا الإقبال راجع لكون الكثيرين من أتباع الطائفة التيجانية كانوا ينظرون بنوع من القدسية لكل ما هو قادم من الأرض التي دفن بها الشيخ التيجاني. وحسب المؤرخ السينغالي م. كييي (M.Gueye) فإنه شاع بين السينغاليين أن الصلاة بالجلباب المغربي فيه ثواب أكبر[9].

يذكر روني لكرك (Charles René Leclerc) أن ستة من كبار تجار فاس يقيمون علاقات تجارية دائمة مع السينغال، مقابل ذلك كان تجار آخرون يقومون بعملية الاستيراد من فرنسا، حيث ينتقلون إلى هناك مباشرة أو يكلفون بذلك ’’ دار الحلو ’’ الموجودة بمرسيليا. ومنذ الثلث الأول من القرن العشرين، ارتبط عدد من التجار مباشرة بمؤسسات النسيج الكائنة بإنجلترا، أو بغامبيا حيث توجد مؤسسة بنسودة التي تحولت منذ الثلاثينات إلى إحدى أهم مؤسسات توزيع النسيج الإنجليزي بإفريقيا الغربية[10].

الكتب العربية: كانت منذ البداية ضمن السلع التي حملها التجار الفاسيون إلى سان لوي. فمولاي علي الكثيري والذي هو حسب ’’ دانفريفيل» أول مغربي وصل إلى السينغال عام 1880م، وكانت أهم السلع التي حملها معه هي الكتب الدينية والتي لاقت رواجا كبيرا على الرغم من غلاء ثمنها .[11]

منتوجات أخرى: كان عدد من التجار يستوردون من المغرب، مواد أخرى مثل، التوابل والعطور والبخور والحلي ولكن بكميات أقل.

2 – التوزيع الجغرافي للتجار الفاسيين بإفريقيا الغربية

مدينة سان لويس (السينغال): من خلال الحوليات نستشف أن أولى المحلات التجارية التي أقامها المغاربة بالسينغال ظهرت بسان لوي المدينة، ولم يسجل وجود محلات تجارية لمغاربة بجهات أخرى إلا عام 1891م، حيث أنشأ في هذه السنة مغربي اسمه الشريف سيدي محمد متجرا بروفيسك (Rufisque)، وفي العام ذاته، أنشأ بدكار مغربيان هما الطاهر كنون ومحمد بن جلون محلاتهما التجارية[12].

مدينة دكار (السينغال): انتقل إليها الفاسيون بعدما عرفت تراجعا واضحا، نتيجة التحولات الاقتصادية التي عرفتها البلاد، والتي أفقدت المدينة الكثير من مصادر رواجها ولعل أبرز نقطة في هذا المجال هو إغلاق نهر السينغال في وجه الملاحة حيث سيؤدي ذلك فيما بعد إلى انهيار شبه كامل لاقتصادها.

كان يقابل تراجع سان لوي تطور مستمر لمدينة دكار في مختلف المجالات، وهذا التطور بدأت تظهر ملامحه منذ نهاية القرن الماضي. وعلى امتداد هذه المرحلة بقي الحضور الفاضي بالمدينة محدود الأهمية بالرغم من التطور الذي عرفته هذه المدينة، وهكذا فقد كان عدد التجار الفاسيين بدكار عام 1891م هو[13]  اثنين، ورغم أن العدد عرف ارتفاعا حيث وصل إلى سبعة عام 1901م ثم اثني عشر عام 1905م. فالوجود الفاضي والمغربي عامة لن يعرف أهمية تذكر بالمدينة إلا منذ الأربعينات من القرن العشرين الميلادي.

مدينة بامكو (مالي): دفع النجاح الاقتصادي بفاسيي دكار إلى البحث عن أسواق جديدة بمختلف عواصم إفريقيا الغربية، وشكلت بامكو نقطة إغراء لهم وذلك لعدة عوامل، فهناك وجود خط حديدي مباشر يربطها بدكار يسهل نقل السلع التي كان يجلبها المغاربة من أوروبا والمغرب. ثم هناك سهولة ترويج هذه السلع ببامكو خصوصا منتجات الصناعة التقليدية المغربية والتي يرجع سبب الإقبال عليها إلى الـتأثير الثقافي المغربي القوي بمالي.[14]

وحسب شهادة محمد التازي الذي كان يعمل في إحدى هاته المحلات خلال الأربعينات أن عمه الحاج محمد التازي هو أول مغربي أقام محلا تجاريا ببامكو وكان ذلك عام 1938م. وهذا المحل كان فرعا للمقر الرئيس الموجود بدكار. وحسب عبد الواحد أكمير الذي عثر على عدة مراسلات لتجار فاسيين كانوا مقيمين في بامكو قبل هذا التاريخ، ومن بين هذه المراسلات واحدة يعود تاريخها إلى عام 1936م وهي تهم مؤسسة العراقي- القادري، التي كانت تعتبر من أهم المحلات التجارية ببامكو في مجال تخصصها.[15]

مدن ساحل العاج: كانت المرحلة الرابعة والأخيرة من الهجرة الفاسية بإفريقيا الغربية هي أبدجان، وقد هاجر أوائل الفاسيين إليها من دكار، ففي سنة 1953م فتح أبوابه بساحل العاج أول متجر تجاري في ملك مغاربة، وقد أقامته مؤسسة  IBALACالصناعية والتي كان قد أسسها بروفيسك ) (Rufisque)السينغال) منذ أواسط الأربعينات مهاجران فاسيان هما عبد الواحد بن عمور والفاطمي العراقي، وتعتبر هذه المؤسسة تجربة فريدة في تاريخ الهجرة المغربية لإفريقيا الغربية، حيث إنها أول مؤسسة صناعية يقيمها مهاجرون مغاربة، كما أنها كانت من أولى مؤسسات النسيج بالمنطقة ككل، وقد كان منتوجها ينافس من حيث الجودة ذلك المستورد من أوروبا .ولضمان تصريف منتوجاتها أقامت هذه الشركة محلات تجارية في دكار وكونكري وبامكو، وفي هذا الإطار هدفت إلى إقامة محلات تجارية شبيهة في ساحل العاج  .[16]بعد تجربة شركة IBALAC قام تجار فاسيون من كبار التجار بالسينغال بإنشاء محلات تجارية بأبدجان، من هؤلاء مؤسسة التازي التجارية والتي كانت قد فتحت أبوابها بدكار عام 1924م، ثم فتحت محلين لها بماكو عام 1938م، وفي 1954م أقامت محلا تجاريا في أبدجان وعام 1955م محلا آخر في بواكي  .(Bouaké)

جل المحلات التجارية التي أقامها الفاسيون بساحل العاج خلال هذه الفترة كانت عبارة عن فروع تابعة للمؤسسات الموجودة بدكار. وقد كانت ترتبط بها ارتباطا وثيقا سواء تعلق الأمر بالتموين أو التسيير. ومن الأسباب التي ساهمت في تدعيم التواصل بين المؤسسة الأم والفروع سهولة استيراد السلع من دكار، خصوصا مع غياب الرسوم الجمركية التي كانت تعفى منها السلع داخل إفريقيا الغربية الفرنسية[17]. بعد استقلال البلاد عام 1960م تضاعف النمو الاقتصادي الذي عرفه ساحل العاج خلال الخمسينات، حيث بدأ الحديث منذ ذلك التاريخ عن المعجزة الإيفوارية وقد أصبحت البلاد من أوائل المنتجين العالميين لمواد مثل الكاكاو والقهوة والموز والأناناس. وسمح ازدهار الاقتصاد الفلاحي الموجه للتصدير بالرفع من حجم الاستثمارات في المشاريع العمومية والتي ارتفعت بقيمة %10 في المرحلة الممتدة بين 1965 – 1970م ثم بقيمة %15 بين 1970 – 1975م. وقد هم الازدهار الاقتصادي كذلك القطاع الصناعي، ونمت بدرجة أولى صناعة النسيج حيث أصبحت تغطي حاجيات السوق الداخلية والتي كانت في الماضي تعتمد على النسيج المستورد.

تحولت ساحل العاج بفضل هذا الازدهار المتدفق إلى قبلة للمهاجرين الذين وصل عددهم عام 1960م إلى 530 ألف (%17) من مجموع السكان، ثم ارتفع إلى 2000000 مهاجر عام 1975م (%30) من مجموع السكان[18].

شأن غيرهم من المهاجرين بدأ المغاربة بالتوافد على ساحل العاج خلال هذه المرحلة بإيقاع أسرع من ذلك الذي هاجروا به في الخمسينات. وقد هاجرت مجموعات فاسية شابة إلى ساحل العاج، ويتعلق الأمر بشباب سوف يشتغلون كمستخدمين في المحلات التجارية التي كان يمتلكها ذووهم.

اعتبر استقلال المغرب بمثابة مرحلة فاصلة في تحديد مسار هذه الهجرة، إذ عاد بعد الاستقلال أولئك المهاجرون الذين كونوا ثروات في صناعة النسيج وتجارة الجملة، وقد استقروا بالدار البيضاء، حيث استفادوا من الفراغ الذي خلفه الفرنسيون الذين بدأوا يغادرون المغرب، وساهموا بفضل الثروات التي يمتلكونها وكذا التجربة التي اكتسبوها بإفريقيا في إقامة النواة الأولى لصناعة مغربية، أساسا في ميدان النسيج[19].

أ – تجار فاسيون استقروا بالسينغال خلال القرن التاسع عشر

الوضعية الاسم
فاضي استقر بأندر (سان لويس) حوالي 1874م، وكان مراسلا لأبيه الذي بقي تاجرا بالمغرب أحمد بوزكري

كان من أهم تجار مدينة فاس، استوطن أندر وحصل على الجنسية الفرنسية. وعاد إلى المغرب في نهاية

القرن التاسع عشر

الحاج ابراهيم السوسي
من مواليد فاس سنة 1857م، رحل إلى إنجلترا

وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وآسيا واستوطن السينغال

مدة ست سنوات ابتداء من 1880م وطلب نيل الجنسية الفرنسية سنة 1883م

مولاي علي بن عمر الكثيري

سننتقل الآن إلى تجار من أصل فاضي وكانت لهم تجارة بالسينغال ولكنهم لم يستقروا هناك:

ب – التجار الفاسيون كانت لهم تجارة بالسينغال خلال القرن التاسع عشر

الوضعية الاسم
محمي فرنسي. كان تاجرا بفاس، وكانت له ستة

مفاتيح وعدة شركاء، واحد منهم بالسينغال

علي بن الطيب بناني
محمي إنجليزي، كان يشرف على دار للتصدير

والاستيراد بمنشيسطر، وكان من كبار التجار بفاس، وكان له ثمانية عشر شريكا اثنان منهم بالسينغال

الطاهر مكوار
من الأسر التجارية الكبرى، كان يستورد السكر

والشاي خلال الحرب العظمى، ويصدر الحياك إلى

الجزائر، والبلاغي إلى السينغال. ويذكر بوشعراء في الجزء الأول من الاستيطان والحماية أن القباج من

أصل فاضي وكان شريكا للحاج ابراهيم بن الحاج علي الذي استقر بأندر سنة 1887م

محمد بن العباس القباج

وهناك العديد من التجار الذين كانت لهم تجارة بالسينغال، تذكرهم المراجع دون ذكر المناطق التي انحدروا منها، لكن أغلبهم كانوا يشتغلون بتصدير واستيراد النسيج مما يرجح أنهم من أصل فاضي، خاصة وأننا نعلم الشأن الذي كانت عليه فاس من هذه الناحية (تجارة النسيج) خلال القرن التاسع عشر الميلادي. إضافة إلى أن مصطفى بوشعراء ذكر ملاحظة مهمة، تخص التجار المغاربة الذين عرف بهم -، وقد اعتمدنا عليه بخصوص ذلك- فقال: «وقد نزح أغلب هؤلاء التجار الفاسيون إلى الدار البيضاء في مطلع هذا القرن»، أي القرن العشرين الميلادي[20] ، مما يؤكد الأصل الفاضي لهؤلاء التجار، وأن التاجر الفاضي الذي كانت له تجارة واسعة في أوروبا، كانت له أيضا تجارة بإفريقيا الغربية. وهذه لائحة بأسمائهم:

ج – التجار الفاسيون كانت لهم تجارة بالسينغال خلال القرن التاسع عشر وغير مستقرين بها يرجح أنهم من أصل فاسي

الوضعية الاسم
محمي ألماني ومن كبار التجار، كانت له علاقة بالسينغال

وتسع شركاء (قدرت ثروته ب 350 ألف بسيطة سنة 1904م و350 مليون من الفرنكات سنة 1930م)

محمد الشرايبي
ابن محمد بن المعطي التازي. كان مستوردا للمنسوجات ومصدرا إلى السينغال (160 مليون فرنك بين 1913م و1930م). لا شك أن والده أيضا كان يصدر المنسوجات إلى

السودان بما أنه كان مستوردا لها من الخارج وهما من أصل

فاسي. (قدرت ثروة الوالد ب 30 مليون فرنك سنة 1913م قبل مغادرته فاس إلى الدار البيضاء)

حميد التازي
رحل مرات عديدة إلى الخارج وكان له ثلاثة عشر شريكا بالمغرب والسينغال والقاهرة، كما كان من كبار المستوردين، وكان يصدر إلى مصر ثم اليابان الحرير والأحذية (100 ألف

بسيطة سنة 1905م وأزيد من 200 مليون فرنك سنة

1930م، وأربعة منازل بفاس)

عبد السلام المراكشي
فتح مركزا بلندن سنة 1890م وهو من كبار المصدرين إلى السينغال، ومن أعظم المضاربين في العقارات الحضرية

والقروية، كان له أحد عشر شريكا في المنسوجات والمواد الغذائية (أزيد من مليون بسيطة سنة 1904م، وأكثر من 400 مليون فرنك سنة 1925م)

المكي بن عبد الله
محمي ألماني، وكان له شركاء بهامبورغ وإفريقيا الشمالية والشرق الأوسط والسينغال والقاهرة (له ما بين 100 و500 ألف بسيطة سنة 1905م، وأزيد من 250 مليون من الفرنكات سنة 1930م) محمد بن العربي برادة
محمي إنجليزي، وكانت له دار تجارية بهامبورغ وشركاء بالسينغال ومصر وأحد عشر شريكا بالمغرب (300 مليون فرنك سنة 1930م) بناصر الصقلي
كان له شركاء سنة 1907م بالسينغال وإيران والقاهرة وطنجة وأسس دار تجارية للمنسوجات بمدينة ليون (أزيد من

ألف بسيطة سنة 1905م وأكثر من 300 مليون فرنك سنة 1930م)

محمد بن أحمد بنيس
كانت له رحلات إلى أوربا والسينغال والشرق الأوسط، ونصب أبناء عمومته بمدينتي جنوة وليون وكان له شركاء بفاس

والدار البيضاء (100 ألف بسيطة سنة 1904م وأزيد من

مليون من الفرنكات سنة 1930م)

المكي بن شقرون

يتضح مما سبق أن التجار الفاسيين كان لهم وزن وثقل في التجارة عموما، إذ أن انتقالهم المتواصل بين أوروبا وإفريقيا الغربية والشرق الأوسط ساعدهم على بناء علاقات كثيرة ومهمة. وبالتالي انعكس هذا الأمر إيجابا على مدينة فاس التي كانت تستقطب التجارة الخارجية استقطابا شديدا وتروجها بالداخل ترويجا كبيرا، فمن المناسب أن يقال إن الموضة في الأزياء والأثواب كانت لا تصدر إلا عن هاته العاصمة ومن قيسارياتها على وجه التحديد. كان تجار هذه الحاضرة في الغالب يولون للبضائع المستوردة نبرتهم الشخصية، إلى حد أن تحامل عليهم في ذلك بعض المؤلفين من الأجانب وغيرهم، إذ كان هؤلاء الوسطاء يعربون ثم يغربون كل سلعة أجنبية[21] ، ثم يصدرونها بدورهم إلى بلدان أخرى كالسينغال.

إن ما ذكرناه عن التجار الفاسيين وعن الثروات التي راكموها من خلال تجارتهم التي غزوا بها مختلف أنحاء المعمور، يجعل تمركزهم في إفريقيا الغربية شيئا ليس بالغريب وخاصة بالسينغال خلال القرن التاسع عشر الميلادي. لاسيما وأن العلاقات الروحية التي لعبت الطريقة التيجانية دورا مهما في توطيدها، انعكست بشكل إيجابي على أولئك التجار الفاسيين الذين تمتعوا بسمعة طيبة هناك.

حاولنا إعطاء أمثلة لتجار مغاربة منهم من استقر بالسينغال ومنهم من كانت له علاقات تجارية بهذا البلد، إلا أننا ندرك تماما أن ما قدمناه يبقى مجرد أمثلة، فالغاية هي معرفة طبيعة التواجد المغربي بهذا البلد خلال القرن التاسع عشر الميلادي ومطلع القرن العشرين الميلادي. أما فيما يخص الحوليات السينغالية التي اعتمد عليها عبد الواحد أكمير بشكل كبير، فيؤكد من خلالها على أن أسماء المغاربة كانت تظهر في خانات)، Commerçantsالمقصود بها هنا تجار صغار أو متوسطون) مع استثناء واحد هو المختار بن مسعود الذي ظهر اسمه دون انقطاع في خانات) négociantsالتي تعني تجار الجملة). هذا الشخص كان أهم مغربي بالسنغال خلال هذه المرحلة، وقد هاجر من تمبكت حيث كون ثروة مهمة[22] .  فكان في بداية القرن من كبار التجار بالسنغال، إضافة إلى ذلك كان يمتلك مناصفة مع فرنضي محلا تجاريا رائجا، كما كان له ارتباط وثيق بفرنسا ذلك لأنه بجانب الجنسية الفرنسية التي حصل عليها عام 1904م منحت له السلطات الاستعمارية بطاقة الإقامة في فرنسا، مما كان يسمح له بالانتقال المستمر إلى هناك قصد القيام بعملية استيراد السلع[23] .

في نفس المرحلة (1905م)، كان هناك مغاربة آخرون يمتلكون ثروات تتراوح بين 250 و500 ألف فرنك، ويؤكد أكمير أنهم كانوا يؤدون الضريبة التي تفرض على كبار التجار «Patente de première classe»، إلا أن هؤلاء مسجلون في الحوليات بخانات «Commerçants» وهذا يدفع للاعتقاد أن الثروة التي كانوا يمتلكونها لم تكن كافية لتسجيل أسمائهم ضمن تجار الجملة« Négociants». على الرغم من ذلك فإن عددا من هؤلاء كانوا إلى بداية القرن العشرين الميلادي يلعبون دورا بارزا في الحركة التجارية بالمستعمرة[24] . وفي هذا الصدد نقدم أهم المراكز التجارية التي استقر بها التجار المغاربة بالسنغال.

جدول: أهم مراكز التجار المغاربة بالسنغال عام 1905م[25]

النسبة% عدد التجار المركز
49.25% 33 سان لوي
17.91% 12 دكار
10.45% 7 تيواوين
8.96% 6 Thiese  تياس
4.48% 3  Rufisqueروفيسك
1.49% 1 Pireبير
1.49% 1 Pont بوت
2.99% 2 لوكا

يتضح من الجدول أن تمركز المغاربة بالسينغال مع بداية القرن العشرين، كان بشكل أكبر في كل من سان لوي ودكار وهما المدينتان اللتان قصدهما المغاربة في بداية انتقالهم إلى السينغال خلال القرن التاسع عشر الميلادي، وبعد ذلك كان هناك انتشار بمدن أخرى مثل تيواوين وتياس وروسفيك، إضافة إلى المناطق القروية الأخرى.


الهوامش 

[1] -نفسه، ص .56.

[2] -المنوني محمد، مظاهر يقظة المغرب الحديث، الجزء الثاني، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء ،1985م. ص .111.

[3] -أبو الفرح يحيى، الحضور المغربي بالسينغال وساحل العاج، ندوة، فاس وإفريقيا، العلاقات الاقتصادية والثقافية والروحية ،1993م. ص .145

[4] -أكمير عبد الواحد، الجالية الفاسية في إفريقيا الغربية، ندوة، فاس وإفريقيا، العلاقات الاقتصادية والثقافية والروحية ،1993م. ص .163.

[5] -نفسه، ص .163.

[6] -نفسه، ص .146.

[7] – أكمير عبد الواحد، الجالية الفاسية … م س، ص .166.

[8] – أكمير عبد الواحد، الجالية الفاسية … م س، ص .167.

[9] – نفسه، ص .167.

[10] -نفسه، ص .168.

[11] – نفسه، ص .169.

[12] -نفسه، ص .172.

[13] -أكمير عبد الواحد، الجالية الفاسية … م س، ص .176.

[14] -نفسه، ص .177.

[15] -نفسه، ص .178.

[16] – أكمير عبد الواحد، الجالية الفاسية … م س، ص .179.

[17] – نفسه، ص .180.

[18] -نفسه، ص .180.

[19] -أكمير عبد الواحد، الجالية الفاسية … م س، ص .182.

[20] -بشعراء مصطفى، «الاستيطان والحماية بالمغرب…، ج.2، مرجع. سابق، ص .318

[21] – نفسه، ص .319

[22] -عبد الواحد أكمير، الجالية الفاسية… م س، ص .173

[23] -نفسه

[24] -نفسه، ص .174.

[25] -من الحوار الذي أجراه عبد الواحد أكمير مع السيد أحمد بن جلون، أبدجان، يناير 1993م، عبد الواحد أكمير، الجالية الفاسية… م س، ص .174.

تحميل المقال بصيغة PDF